Navigation

الاستصناع

العودة إلى فقه الاستصناع والاستصناع الموازي

في اللغة : مصدر استصنع شيء، أي : دعا إلى صنعه، ويقال : اصطنع فلان باباً، إذا سأل رجل أن يضع له باباً، وفي الاصطلاح : هو الطلب الذي يتم من أجل القيام بصنعة معيّنة سواء تمّ ذلك بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة ، وعلى حدّ تعبير الحنيفة هو : عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل، فإذا قال شخص لآخر من أهل الصنائع: اصنع لي الشيء الفلاني بكذا درهما، وقبل الصانع ذلك، انعقد استصناعاً عند الحنيفة
ومن الأدلة على مشروعية قوله تعالى : ( قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً – قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً ) سورة الكهف : /94 ــ 95 / فهم قد طلبوا منه أن يضع لهم السدّ مقابل أجرٍ عظيم يعطونه إياه.
ومنها أيضاً حديث صنع منبر النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال لامرأةٍ من الأنصار :(( مُري غلامك النجار يصنع لي أعواداً أجلس عليهنّ إذا كلمت الناس )) وبالتالي ( فالصحيح في تكييف هذا العقد أنه عقد جديد مستقل، ليس وعداً، وليس بيعاً، وليس إجارة، وليس سلماَ، وإن كان له شبه بالبيع وبالإجارة وبالسلم، فيشبه المسلم لأنه عقد على موصوف في الذمة، ويشبه البيع من أجل الصانع يقدّم المواد من عنده مقابل عوض، ويشبه الإجارة من حيث إن العمل جزء من المعقود عليه، وهذا ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي، وهو الصحيح ، لأنه ليس بيعاً، لأن البيع لا يتضمّن عملاً، وليس إجارة، لأن الإجارة لا تتضمن تقديم أعيان

هناك شروط صحة عقد الاستصناع، أهمها :
ـ أن يكون الشيء المستصنع قد جرى العرف على مثله استصناعاًَ ، أي ( فيما يحتاج إليه الناس ) وإلا فالمواد نصف المصنعة لا تدخل في هذا الباب، كمثل : ألواح الحديد وقضبانه.
ـ تحديد مواصفات الشيء المطلوب صناعته تحديداً وافياً يمنع التنازع عند التسليم.
ـ واشترط الإمام أبو حنيفة أن لا يذكر في العقد أجل، فإن ذكر أجلاً انقلب إلى عقد سلم، ولزم فيه مراعاة شروط السلم وأحكامه، ( أما في عصرنا الحاضر فقد دخل الاستصناع في مصنوعات ضخمة هائلة باهظة التكاليف كالطائرات والبواخر والعمارات، مما قد يحتاج إنشاؤه إلى سنين، ولذا ذهب جمهور فقهاء العصر ومجمع الفقه الإسلامي إلى انه يجوز ذكر الأجل، بل يجب
ولا يُشترط الاستصناع ما يلي :
أ ـ لا يجب في عقد الاستصناع تعجيل الثمن، بل يجوز تعجيله، ويجوز تأخيره إلى وقت القبض أو بعده، ويجوز تقسيطه، وهو في ذلك على خلاف عقد السلم.
ب ـ لا يشترط أن يكون ما يأتي به الصانع مما صنعه بعد التعاقد، فلو كان ما جاء به قد كان مصنوعاً عنده قبل ذلك كفى، إذا كان مشتملاً على المواصفات المشروطة، بل لا يلزم أن يكون ما يأتي به من صناعته هو : فلو جاء بشيء صنعه غيره مشتمل على الأوصاف المطلوبة كفى ذلك.

أشكال عقد الاستصناع :
هناك عدة أشكال للاستصناع، أهمها :
ـ الاستصناع الذي يتمّ بموجبه قيام من يطلب منه الاستصناع يضع السلعة محل العقد وتحمّل المستلزمات والعمل المطلوب لتصنيعها.
ـالاستصناع المتوازي : وهو الذي يتمّ بموجبه قيام من يطلب منه الاستصناع بالطلب من طرفٍ آخر يقوم بهذه المهمة، ويوقع معه عقد استصناع آخر جديد بذات المواصفات المطلوبة، ويتقاسم الطرف الثاني وهو الذي طلب منه الاستصناع أولاً، والطرف الثالث الذي طلب منه الاستصناع ثانياً من قبل الطرف الثاني، الأرباح التي تتحقق نتيجة عملية الاستصناع هذه، وبالتالي، فإن الاستصناع في هذه الحالة يكون غير مباشر ومتعدد في أطرافه.
ـ الاستصناع بأقساط (بدفعات)، مثال ذلك بناء مجمع صناعي، أو عمارة سكنية، بحيث يتطلب موارد مالية كبيرة، وعندئذٍ يمكن أن يتم الاستصناع وفق دفعات مالية متعاقبة، مثلاً دراسة جدوى المشروع، ومرحلة إقامة الأبنية،ومرحلة استيراد الآلات، مع مراعاة التناسب بين الدفعات مع تكاليف المرحلة.
ـ يمكن القيام بعملية الاستصناع عن طريق قيام مشروعات تكون مهمتها استصناع شيء معين، كأن يكون بناء مصانع، أو أبنية، وغير ذلك، وتطرح سنوات استصناع مخصصة لتمويل عملية الاستصناع ضمن المواصفات المحددة للعملية، ومن ثم تسليمها لطالب الاستصناع.

كيفية استفادة المصارف الإسلامية من عقد الاستصناع :
يمكن استناداً إلى عقد الاستصناع أن يقوم البنك بدور الوساطة بين شركة كبرى خاصة أو عامة أو هيئة من الهيئات الحكومية تطلب تسليم سلع معينة محددة المواصفات بمقادير معينة في تاريخ معين، فيقوم بتمويل الطرف الأخير الذي يتعهد بتسليم السلع المتعاقد عليها كما هو مطلوب ويقوم البنك بتسليمها إلى الجهة الطالبة مقابل الثمن المتفق عليه، وتتيح هذه الوساطة المصرفية فرصة للربح طالما أن تكلفة الاستصناع وهي الثمن الذي يتفق عليه البنك مع الصانع تقلّ عن الثمن الذي يحصل عليه البنك عند تسليم البضاعة للجهة الطالبة.
وبالتالي فإن عمليات الاستصناع ذات أهمية كبيرة بالنسبة لأصحاب الأعمال الصناعية الصغيرة، حيث يقوم المصرف بتأمين التمويل اللازم لأعمالهم، خاصة عن طريق القيام بالوساطة بين الصناعيين الصغار وبيت الشركات الكبرى التي تطلب تصنيع سلع معينة.
ومن خلال التجارب تبين أن الاستصناع يُعطي المصرف مرونة في التعامل مع الجمهور، وذلك من خلال :
أ ـ أن يكون المصرف صانعاً : بحيث يدخل على أساس عقد الاستصناع عالم الصناعة، لينفذ مثلاً مشاريع الإسكان وإنشاء الطرق وصناعة الطائرات ونحو ذلك.
ب ـ أو يكون المصرف مستصنعاً : بحيث يلبّي حاجة الصناعيين إلى التمويل المجزأ أو المبكّر، يمكنهم من شراء الخدمات، وقطع الغيار، وكذلك فإنه يحلّ مشكلة تسويق مصنوعاتهم.
كل هذا يجعل لعقد الاستصناع أهمية اقتصادية واجتماعية كبيرة، وخاصةً فيما يتعلق بتوفير التمويل اللازم لعمليات الاستصناع مع مراعاة الضوابط الشرعية التي تسير عليها المصارف الإسلامية.
وهذه الأهمية لصيغة الاستصناع في عمل المصارف الإسلامية ترتبط بما يلي :
ـ أنها تناسب طبيعة المصارف الإسلامية، والأهداف التي تستهدف تحقيقها، وبالذات ما يتصل منها بخدمة أطراف التعامل في هذه الصيغة، وهم المتعاملين والمودعين والمستثمرين والمصرف، ومن ثم تحقق احتياجات المجتمع، وتتيح للاقتصاد التطور بالشكل الذي يحقق تنمية في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية التي ترافقها وترتبط بها.
ـ إن أهمية الاستصناع تأتي من أهمية عملية التصنيع، وبخاصة ما يرتبط بالصناعة التحويلية التي يتم من خلالها تحويل المنتجات الأولية إلى منتجات أخرى، تحقق قيمة مضافة أكبر، والتي تعتبر القطاع الأكثر أهمية في تحقيق التطور في الاقتصاد خلال ما يلي :
مساهمته المباشرة في توليد الدخول، وفي توليد المنتجات، وفي التشغيل وتوفير فرص العمل، وفي الصادرات.
مساهمته الصناعية التحويلية الواسعة والكبيرة في تطوير القطاعات الأخرى من خلال علاقات التشابك الوثيقة بين إنتاج منتجات الصناعات التحويلية والقطاعات الأخرى.
إن التطورات التكنولوجية المتسارعة والمتزايدة التي تحقق مـــردودات اقـــــتصادية تبرر استخدامها المتزايد والمتسارع هذا أكثر ارتباطاً بالصناعة التحويلية من خلال استخدام هذه التطورات بدرجة أكبر فيها.
ـ إن الاستصناع يتّسع وبالذات في الوقت الحاضر ليتضمن نشاطات اقتصادية عديدة، بحيث أصبحت صناعة، كصناعة النقل وغيرها.
كل هذا يؤكد على أهمية عملية الاستصناع التي تتم من خلال المصارف الإسلامي في دعم وإسناد وإقامة مشاريع تضيع المنتجات.